فخر الدين الرازي

592

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الملك ( 67 ) : آية 16 ] أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) واعلم أن هذه الآيات نظيرها قوله تعالى : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [ الأنعام : 65 ] وقال : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [ القصص : 81 ] . واعلم أن المشبهة احتجوا على إثبات المكان للّه تعالى بقوله : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ ، والجواب عنه أن هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها باتفاق المسلمين ، لأن كونه في السماء يقتضي كون السماء محيطا به من جميع الجوانب ، فيكون أصغر من السماء ، والسماء أصغر من العرش / بكثير ، فيلزم أن يكون اللّه تعالى شيئا حقيرا بالنسبة إلى العرش ، وذلك باتفاق أهل الإسلام محال ، ولأنه تعالى قال : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [ الأنعام : 12 ] فلو كان اللّه في السماء لوجب أن يكون مالكا لنفسه وهذا محال ، فعلمنا أن هذه الآية يجب صرفها عن ظاهرها إلى التأويل ، ثم فيه وجوه : أحدها : لم لا يجوز أن يكون تقدير الآية : أأمنتم من في السماء عذابه ، وذلك لأن عادة اللّه تعالى جارية ، بأنه إنما ينزل البلاء على من يكفر باللّه ويعصيه من السماء فالسماء موضع عذابه تعالى ، كما أنه موضع نزول رحمته ونعمته وثانيها : قال أبو مسلم : كانت العرب مقرين بوجود الإله ، لكنهم كانوا يعتقدون أنه في السماء على وفق قول المشبهة ، فكأنه تعالى قال لهم : أتأمنون من قد أقررتم بأنه في السماء ، واعترفتم له بالقدرة على ما يشاء أن يخسف بكم الأرض وثالثها : تقدير الآية : من في السماء سلطانه وملكه وقدرته ، والغرض من ذكر السماء تفخيم سلطان اللّه وتعظيم قدرته ، كما قال : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة واحدة في مكانين ، فوجب أن يكون المراد من كونه في السماوات وفي الأرض نفاذ أمره وقدرته ، وجريان مشيئته في السماوات وفي الأرض ، فكذا هاهنا ورابعها : لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : مَنْ فِي السَّماءِ الملك الموكل بالعذاب ، وهو جبريل عليه السلام ، والمعنى أن يخسف بهم الأرض بأمر اللّه وإذنه . وقوله : فَإِذا هِيَ تَمُورُ قالوا معناه : إن اللّه تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك ، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها ، فيذهبون والأرض فوقهم تمور ، فتلقيهم إلى أسفل السافلين ، وقد ذكرنا تفسير المور فيما تقدم . [ سورة الملك ( 67 ) : آية 17 ] أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ( 17 ) ثم زاد في التخويف فقال : أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً . قال ابن عباس : كما أرسل على قوم لوط فقال : إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً [ القمر : 34 ] والحاصب ريح فيها حجارة وحصباء ، كأنها تقلع الحصباء لشدتها ، وقيل : هو سحاب فيها حجارة . ثم هدد وأوعد فقال : فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ . قيل في النذير هاهنا إنه المنذر ، يعني محمدا عليه الصلاة والسلام وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك ، والمعنى فستعلمون رسولي وصدقه ، لكن حين لا ينفعكم ذلك ، وقيل : إنه بمعنى الإنذار ، والمعنى فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول ، و ( كيف ) في قوله : كَيْفَ نَذِيرِ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول وعقوبة الإنذار .